الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
38
نفحات القرآن
قال الكثير من المفسّرين إنَّ ذلك ناشي من سعة حاجة الإنسان ، فكلّما كان الموجود أكمل فانّه أكثر احتياجاً في مسيرته ويزداد شعوراً بالحاجة كما هو الحال في الاحتياج المادّي ، فالطير يقنع بشيء من الماء والحبّ والعشّ البسيط في حين لا يقتنع الإنسان بألوان الطعام واللباس والبيوت والقصور ! « 1 » . والآية الثانية تحدثت عن ( الإنفاق في سبيل اللَّه ) وبخل البعض في الانفاق في سبيل اللَّه وانعكاس بخل البخلاء على أنفسهم لأنّهم محرومون من فيض اللَّه ورحمته اللا محدودة ، فتقول : « وَاللَّهُ الغَنىُّ وأنتُمُ الفُقَراءُ » . قد يكون هذا التعبير من أجل رفع التصوّر بأنَّ اللَّه تعالى عندما يدعو الناس إلى الإنفاق في سبيل اللَّه فانّه محتاج إلى إنفاقهم ، أو أنَّ هذه الجملة تتنافى مع الجملة التي وردت في آيات سابقة حيث تقول : « ولا يَسئَلكُمُ أَموَالَكُم » . فتقول الآية : إنّ اللَّه غني على الإطلاق والجميع محتاجون إليه ، فعندما يأمرهم بالإنفاق فليس ذلك لحاجته ، بل لأنّهم هم المحتاجون ، ويصلون إلى الكمال عن هذه الطرق ويتقرّبون إلى ذلك الوجود اللامحدود . صحيح أنّ بداية الآية ترتبط ب ( الفقر والغنى الماليين ) وتنظر إلى الإنفاق في سبيل اللَّه ، غير أنّ الإطلاق في ذيل الآية يعطي مفهوماً واسعاً ، ففي الوقت الذي تعرّف اللَّه سبحانه بالغني المطلق فانّها تعتبر البشر محتاجين في كلّ وجودهم ، وقد نفذ الفقر إلى أعماق ذواتهم ولهذا يمكن استخدامه للاستدلال في هذا البحث .
--> ( 1 ) انتبه بعض المفسّرين إلى هذه النقطة أيضاً وهي أنّ ذكر ( الفقراء ) بصورة معرفة ( مع أنّ الخبر يكون نكرة عادةً فلو كان معرفة لما احتاج المخاطب إلى الخبر ) هو للتنبيه والتذكير ، أي أنّ المخاطب نفسه يعلم بأنّه فقير إلى اللَّه وهذا تذكير ليس إلّا ، وقد جاء في علم البلاغة أيضاً أنّ المخاطب العالم الذي لا يعمل بعلمه يعتبر جاهلًا وينذر عن طريق الأخبار ( تأمّل جيّداً ) .